النخلات الشمطاوات
لم أكن أتابع تراص الأشياء على ناصية
الطريق طيلة سفري _على مدار ستة ألام من
العمر_ من قريتي التي على أطراف الجنوب القنائي وعلى مشارف الشمال الأقصري إلى قنا المدينة .
تسحر أذناي فيروز بمجرد أن أستقل الميكروباص
أغمض عينيّ عن الضوء ،بالكاد أشعر بمكابدة الهواء المتسلل لرئتي من بين ثنيات
الألحان التي اخترقت كل المسامات وضربت حصارا على كل الجوارح عن أي عالم سوى
هذا الإخضرار المتراقص ،حصار فقدت فيه الاحساس بأن مصدر الأنغام سماعة الأذن،
أوشكت أن أنغرس بين العشب.....، لولا أن نبهني أحد الركاب لدفع الأجرة ما كنت سأفتح عينيَّ ليصطدما
بانكسارهن على جانب المجري المائي الممتد من أول الوجع إلي آخر الوجع .
أربع نخلات نحيلات شاحبات اثنتان كبيرتان
تحوطان صغيرتين.
لله در الطبيعة الساحرة حين يزول مفعول السحر
منها
أي شباب وامتشاق كنتن فيه وغدا ماض تضربه
الرياح الجدباء شماتة و انتصارا ؟!!
ليست قلة الماء سبب ما أنتم فيه، فالماء أسفل منكن لو ضربتن بجذوركن الأرض لارتويتن ؟!!
ربما الرياح شعثت ضفائركن الجريدية وأرخت
بعضها فبدوتن كشمطاوات يخفق النظر امتعاضا لحالهن.
اختمر في قلبي احساس بضرورة التوقف ومواساتهم
،أيّدَه عقلي بفكرة مجنونة ماذا لو طلبت من السائق التوقف ونزلت هنا ووقفت على جانب الترعة وأشْبَعَتْهُنَّ عيناي إشفاقا ،لكن
الصورة ابتدأت في التشكل بملامح آدمية أنثوية يا ذا الحب ياالله ... إنهما تحوطانني
وأختي ...
إحداهن الجدة بنضرتها التي ارتشفها الوجع
فثمل وارتمي في قلبها، كنت عندما يسألني أحد عن أمنيتي أقول: تمنيت لو أني كنت
أشبه جدتي الجميلة لكن عرفت لماذا شّبِهتُ والدي ،ربما لأستأثر بنظرتها البنفسجية
دون إخوتي بعد وفاة والدي.
والأخري العمة التي لا تدخرمحبتها لنفسها
توزعها كما توزع النخلة التمر على العابرين بها لأجل أن يحبها الله ويبقي لها من
تحبه حيا..
يارب الحزن الذي سُكبَ _وبجود لا مثيل له_ في
عيونهن لم يكن للمحبة المتوشحة بالأسود
سواك أيها المحب الأعظم....
أيتها النخلات الشمطاوات هل فقدتن حبيبا
مثلهن ؟؟!!
لا أعتقد ذلك ...!
