الاثنين، 20 يناير 2014

النخلات الشمطاوات


النخلات الشمطاوات

لم أكن أتابع تراص الأشياء على ناصية الطريق  طيلة سفري _على مدار ستة ألام من العمر_ من قريتي التي على أطراف الجنوب القنائي وعلى مشارف الشمال الأقصري إلى قنا المدينة .
تسحر أذناي فيروز بمجرد أن أستقل الميكروباص أغمض عينيّ عن الضوء ،بالكاد أشعر بمكابدة الهواء المتسلل لرئتي من بين ثنيات الألحان التي اخترقت كل المسامات وضربت حصارا على كل الجوارح عن أي عالم سوى هذا  الإخضرار المتراقص ،حصار  فقدت فيه الاحساس بأن مصدر الأنغام سماعة الأذن،  أوشكت أن أنغرس بين العشب.....، لولا أن نبهني أحد  الركاب لدفع الأجرة ما كنت سأفتح عينيَّ ليصطدما بانكسارهن على جانب المجري المائي الممتد من أول الوجع إلي آخر الوجع .
أربع نخلات نحيلات شاحبات اثنتان كبيرتان تحوطان صغيرتين.
لله در الطبيعة الساحرة حين يزول مفعول السحر منها
أي شباب وامتشاق كنتن فيه وغدا ماض تضربه الرياح الجدباء شماتة و انتصارا ؟!!
ليست قلة الماء سبب ما أنتم فيه، فالماء أسفل منكن لو ضربتن بجذوركن الأرض لارتويتن ؟!!
ربما الرياح شعثت ضفائركن الجريدية وأرخت بعضها فبدوتن كشمطاوات يخفق النظر امتعاضا لحالهن.
اختمر في قلبي احساس بضرورة التوقف ومواساتهم ،أيّدَه عقلي بفكرة مجنونة ماذا لو طلبت من السائق التوقف ونزلت هنا ووقفت على  جانب الترعة وأشْبَعَتْهُنَّ عيناي إشفاقا ،لكن الصورة ابتدأت في التشكل بملامح آدمية أنثوية يا ذا الحب ياالله ... إنهما تحوطانني وأختي ...
إحداهن الجدة بنضرتها التي ارتشفها الوجع فثمل وارتمي في قلبها، كنت عندما يسألني أحد عن أمنيتي أقول: تمنيت لو أني كنت أشبه جدتي الجميلة لكن عرفت لماذا شّبِهتُ والدي ،ربما لأستأثر بنظرتها البنفسجية دون إخوتي بعد وفاة والدي.
والأخري العمة التي لا تدخرمحبتها لنفسها توزعها كما توزع النخلة التمر على العابرين بها لأجل أن يحبها الله ويبقي لها من تحبه حيا..
يارب الحزن الذي سُكبَ _وبجود لا مثيل له_ في عيونهن لم يكن  للمحبة المتوشحة بالأسود سواك أيها المحب الأعظم....
أيتها النخلات الشمطاوات هل فقدتن حبيبا مثلهن ؟؟!!
لا أعتقد ذلك ...!

الأحد، 12 يناير 2014

حينما تصبح طفولتنا فلسفة



عرفت 
لماذا كنت أعشق الدوائر في مادة الهندسة دون غيرها من الأشكال الهندسية ذات الزوايا ،كنت أصاب برجفة من  الخطوط المستقيمة  عرفت سببها الآن

كنت أتوه كلما نظرت لشعاع مرسوم أو مستقيم،
عشقت المنحنيات والأشكال اللولبية .

عرفت
لماذا كانت كراسة الرسم تعج بالمنحنيات ...حتى الأشكال التي في الواقع لا تمت إلي الدواير  بصله كنت أحيلها إلي مستديرات   أتذكر تكشيرة أستاذة الرسم ذات مرة وأنا ف  المرحلة الابتدائية ونظراتها السامجة ، أتذكر أني بسبب ذلك لم أكن أحصل على درجة عالية في الرسم .
عرفت لماذا كنت أجمع كراساتي وكتبي  وأرسم بالمقص زوايا أوراقها الجانبية باستدارة مثل الظفر بدلا من الزاوية القائمة رغم تعنيف الكل وتأنيبهم لي بأني أشوه منظر الكراسات والكتب . 
ربما لأني كنت أحب الحرية أحب ألا يناديني أحد لكي أتناول الغداء قاطعا عليّ انهماكي في قراءة قصة أو حديث مع لعبة .
عرفت لماذا لم أحب مغامرات في أعماق البحار رغم عشقي لعقلة الإصبع ، لأن المؤلف قيدني بنهاية كنت أتمني أن يصير عقلة الاصبع وأخته سمكتين ويبقيا للأبد هكذا .
عرفت لماذا ما حفظته من القرآن في صغري لم ولن يأكله النسيان أبدا ليس لأن التعليم ف الصغر كالنقش على الحجر كما يقال، بل لأني كنت أحفظ للحفظ ،لأني أحببت الأشياء وكنت أهيم فيها بخيالي  حتى القرآن هِمت في آياته بعقل طفلة لم يربط بعد العطاء بالأخذ.
عرفت لماذا أبي غادر وهو صامت دون أن يلق الوصية الأخيرة ،و عرفت لماذا لم تطرح نخلة بيتنا في العام الذي توفي فيه.
أشياء كثيرة من هذا القبيل أتذكرها وأعرف أسبابها  وأوقن أنه كم من الأطفال لديهم عمق رؤية وقادرين على فلسفة الأشياء البسيطة بكل مودة وحب